المقريزي

211

المقفى الكبير

العناء في هذا الوقت على ما هو عليه ، فرمى نفسه بين يديها وقصّ عليها القصّة كلّها ، وقال : إنّما الغرض إبعادي عن خدمتك وحرماني السعادة التي ألحقتني بها ليقع التّمكّن منّي . قالت : وما الذي تكره من ذلك ؟ فقال : يا مولاتنا ، هور الحكم واسع . وأحوال قاضي القضاة قاسم بن النعمان فيه مشهورة . ولو كانت جارية على النظام المستقيم لشغلت عن خدمتك ، فكيف والحاجة داعية إلى تجديد إصلاحه وإحكام نظامه ، وفي هذا شغل كبير ؟ فقالت : لا يضيق صدرك بهذا الأمر ، فبأبي لك ، وخدمتي موفورة عليك ولا أستبدل بك أبدا . فقال : يا مولاتنا ، قد قدّمت القول إنّ هور الحكم كبير واسع ، واشتغالي به يحول بيني وبين ملازمة بابك . فقالت : خلفاؤك في الحكم ، القضاعيّ وابن أبي زكريّا هما ينفّذان من الأحكام ما يجوز تنفيذه . فإذا تحرّرت الأحكام نزلت ففصلت ذلك . وقرّر لنزولك يومين في الجمعة لفصل الأحكام ، فإذا نزلت كان ولداك ينوبان عنك في تنفيذ أمور خدمتي . وهذا التقرير لا يغلبك فعله . فقبّل الأرض لها ودعا وشكر وانصرف . [ قبوله خطّة القضاء بنصيحة من مولاته ] فلمّا كان في غد ذلك اليوم وهو الثاني من المحرّم سنة إحدى وأربعين وأربعمائة ، استدعي إلى حضرة أمير المؤمنين وخلع عليه وقرئ سجلّه في الإيوان ، وخرج والدولة بأسرها بين يديه . فأقام في تنفيذ الأحكام عدّة أيّام وولداه « 1 » ينوبان عنه في باب الريح ، وجعل الوزير يبعث للسيّدة من يطارحها في ذكر بابها ويعرّض لها بذكر ولد الوزير ، فقالت : وما هو الأمر الذي يعجز ولدا القاضي أبي محمد عنه ، وقد لقنا فعل أبيهما وفهما منه ما يحتاجان إليه ، ومع ذلك إلى أن يجيء أبوهما ، وما كنت بالذي يستبدل به بوجه ولا سبب . فلمّا سمع ذلك الوزير أبو البركات ، أسقط في يده وقال : أردنا وضعه ، واللّه تعالى يريد رفعه . فقال له أبو الفضل صاعد : أمّا إذا جرى الأمر بخلاف ما ظننّاه وأملناه ، فليس إلّا مجاملة الرجل ومواثقته على السلامة ، فتواثقا وتعاهدا ، وصار لا يسلّم على الوزير ولا يجتمعان إلا يوما في الشهر ، يحضر إليه في داره ، فإذا صار إليه احتجب الوزير عن كلّ أحد ، وخلا به ، وبالغ في إكرامه ، وهو في الباطن يدبّر عليه . فكفاه اللّه أمره ، وقبض عليه وشغرت [ 361 أ ] رتبة الوزارة عدّة أيّام ، والسيّدة تعرضها على اليازوريّ وهو يمتنع ، فأقيم أبو الفضل صاعد وخلع عليه وعمل واسطة لا وزيرا ، فصار إذا أحبّ أن يعرض على الخليفة أمرا ممّا يتعلّق به يتقدّم اليازوريّ إلى الحضرة ، ثمّ يستدعي بأبي الفضل ، فإذا عرض ما أحبّ لا يجيبه إلّا اليازوريّ ، فصار في نفسه منه مثل ما كان في نفس غيره من الوزراء ، وأقبل ينصب عليه ويحمل الرجال على مكروهه ويوهمهم أنّه إذا سأل لهم زيادة أو ولاية ، يعترضه اليازوريّ بما يبطل رأيه ويفسده . فاستدعى ناصر الدولة حسين بن حمدان « 2 » بعض خواصّ اليازوريّ وقال له : اعلم

--> ( 1 ) في الاتّعاظ 2 / 208 : استناب ابنه الأكبر أبا الحسن محمد ولقّب بالقاضي الأجلّ خطير الملك ، واختصّ الولد الثاني بخدمة السيّدة . ( 2 ) سمّاه أيمن فؤاد السيّد في طبعته للإشارة ص 75 : الحسن بن الحسين بن حمدان ، وأحال فيما أحال إليه إلى الورقة 383 من مخطوطنا هذا ، وفيها ترجمة الحسين بن حمدان ، وهي الآتية برقم 1232 . والحسين قتل سنة -